الرئيسية / منوعات / الحب بين الحاضر والماضي

الحب بين الحاضر والماضي

ما هو الحب؟

الحُبّ شعورٌ بالإنجذاب والإعجاب نحو شخصٍ ما، أو شيءٍ ما، وقد يُنظر إليه على أنه كيمياءٌ متبادلة بين إثنين، ومن المعروف أن الجسم يفرز هرمون الأوكسيتوسين، المعروف بـ “هرمون المحبين” أثناء اللقاء بين المحبَين.
وتم تعريف كلمة حُب لغوياً، بأنها تضم معاني الغرام، والداء، وبذور نبات الصحراء، الذي يسمى “حِب” بكسر الحاء، فسمي الحِب حُباً لإنه بابٌ للحياة، كما الحِب لحياة النبات، ويقول بعض اللغويين بأن الحُب كلمة آتية من كلمة “حُباب”، والحُباب هو الذي يعلو المياه عند شدّة المطر. بمعنى غليان القلب، وخفقه عند الإضطرام، والإهتياج إلى لقاء المحبوب.
أما غرام، فهي تعني حرفياً التعلق بالشيء تعلقاً لا يُستطاع التخلص منه. وتعني أيضاً “العذاب الدائم الملازم”، وقد ورد في القرآن الكريم: {إن عذابها كان غراما}، والمُغرم هو المُولع بالشيء لا يصبرعلى مفارقته، وأغرم بالشيء تعني أولع به، فهو مُغرم.

رأي العلم

قال باحثون إيطاليون: إن للحب بالفعل تأثيرٌ غريب على الأشخاص، وذلك بعد أن أجروا دراسة عام 2004 على (24) رجلاً وسيدة، وقعوا في الحب، خلال ستة شهور أثناء وقبل الدراسة.
ووجد الباحثون أن هرمون الذكورة “تيستوستيرون”، يقل عن معدلاته الطبيعية عند الرجال، بينما يزداد عن عن معدلاته الطبيعية عند النساء.
وقالت دوناتيلا مارازيتي من جامعة بيزا لمجلة العلوم الجديدة: “يصبح الرجال بشكلٍ ما أكثر شبهاً بالنساء، وتصبح النساء أكثر شبهاً بالرجال. فيبدو الأمر، وكأن الطبيعةَ تريد أن تمحو ما يمكن أن يكون اختلافاً بين الرجال والنساء، لأن الحياة في هذه المرحلة أكثر أهمية.”
وتأتي نتائج الدراسة في الوقت الذي قالت فيه دراسةٌ أخرى: بأن الحب قد يكون أعمى بالفعل، حيث اكتشف باحثون بجامعة “لندن كوليدج” أن الوقوع في الحب يؤثر بالفعل على دوائر رئيسية في المخ.
وتوصل الباحثون إلى أن الدوائر العصبية التي ترتبط بشكل طبيعي بالتقييم الاجتماعي للأشخاص الآخرين، تتوقف عن العمل عندما يقع الإنسان في الحب.
وقال الباحثون: إن هذه النتائج قد توضح أسباب تغاضي بعض الأشخاص عن أخطاء من يحبون، وتضيف الدراستان دليلاً جديداً إلى الأدلة المتزايدة بأن للحب تأثيراً غريباً على الجسم.

الحب عند العرب

“الحب عبارة عن مستوى سامٍ من العلاقة بين الذات والآخر، تكون فيها الأفضلية للآخر على الذات” علي القاسمي

إن لهذه الكلمة عند أجدادنا معانٍ كثيرة، ومتعددة تصف تلك المشاعر النبيلة بعمقٍ وبدقة، وكأن الحب اختراعٌ فازوا به ببراءة التعبيرعلى عصرنا الحالي، حيث الحب مجرد كلمةٍ مطاطة، لا تصف المشاعر بدقة، فقد يكون هذا الحُب صبوةً عابرة، او هياما يقتل صاحبه
وبالرجوع للمعاجم، وأبيات الشعر العربي، نجد ان الحب في الثقافة العربية أربعة عشر درجة، شبه متفقٍ عليها، بدئا من الهوى والصبوة، وانتهاء بالغرام والهيام
وقد برع الشعراء في وصف مشاعر الحب، حيث كانوا ولا زالوا أكثر الناس تأثراً به، فالشاعرُ عاطفيٌ بالضرورة، كما تقول اللغة العربية لنا، فالشِعر من الشُعور

من الحب ما قتل

من الشعراء اللذين تأثروا بالحب، الشاعر العباسي “ابن زريق البغدادي”، حيث كان يحب زوجته بشدة، لا يطيق فراقها، وبعدما ارتحل للأندلس بحثاً عن عمل، كانت قد نهته زوجته عن الرحيل، والبقاء بجوارها، وكانت تتعبه بلومها له، فكتب لها قصيدةً في ورقة، يصف حاله بعدما أصابه المرض، وشَدَ شوقه للّقاء، ثم وضعها تحت وسادته، ومات على الفور، فكانت هذه القصيدة آخر ما كتب رحمه الله.
يقول ابن زريق:

لاتعذليـه فان العذل يولعــهُ
قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعهُ
جاوزت في لومـه حداً أضــرَّ به
من حيث قدرت أن اللومَ ينفعــهُ
فاستعملـي الرفـق في تأنيبـهِ بدلاً
من لومهِ فهو مضني القلب موجعهُ
قد كان مضطلعاً بالخطب يحملهُ
فضيقت بخطوبِ البين أضلعهُ

عروة ابن حزام

أسموه العرب رائد العذريين المجانين، وهو شاعرٌ مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، عشق ابنة عمه عفراء منذ الصغر، وتعلّق بها كثيراً، وحال بينهم كراهية زوجة عمه له، وهي أم عفراء التي أرادت أن تُزوج ابنتها لرجل من الأثرياء، وقد وقفت له بالمرصاد لتجعل من عروة بن حزام شخص مجنون سقيم، ينفضّ الناس من حوله، إلى أن مات وهو يهجو عمه، واصفاً إياه بالغدر، وقسوة القلب، وضعفه، وانصياعه لرغبات زوجته، فيقول :

فيا عمُّ ياذا الغدرِ لازلت مبتلي
حليفاً لهم لازم وهوانِ
غدرتَ وكان الغدر منكَ سجيةٍ
فألزمت قلبي دائم الخفقانِ
وأورثتني غمّاً وكرباً وحسرةً
وأورثت عيني دائم الهملانِ
فلا زلت ذا شوقٍ إلى من هويتهُ
وقلبك مقسومٌ بكل مكان

ولما علمت عفراء بموت حبيبها وهي في عِصمةِ غيره، فظلّت تندب حظها عليه فقالت:

ألا أيها الركب المخبون ويحكم
بحقٍّ نعيتم عروةَ بن حزامِ
فلا نقع الفتيان بعدك لذةٍ
ولا رجعوا من غيبةٍ بسلامِ
وقل للحبالى لا يرجين غائباً
ولا فرحت من بعده بغلامِ

وماتت بعده بأيام حزناً عليه، ودفنت بجوار قبره كما أمر أبي سفيان

قتله الحب ولم تقتله الحرب

عوف ابن سعد، وهو شاعر من شعراء الجاهلية، إشتهر بالفروسية، وكانت له مواقع مريعة في حروب قبائله المشهورة، التي هي من أهم حروب العرب آنذاك، وكان قد أحب ابنة عمه أسماء حباً شديداً، وأراد الزواج منها، إلّا أن عمه رفض ذلك، بعد أن عرض عليه أحد الأغنياء مائة ناقة مهراً لأسماء، فزوجها له رغماً عنها، وظل عوف يعاني من لوعة الفراق، الى أن مات حباً بأسماء
فيقول:

سكن ببلدةٍ وسكنت أخرى
وقطعت المواثق والعهودُ
فما بالي أفي ويخون عهدي
وما بالي أُصاد ولا أصيدُ
ورب أسيلة الخدين بكرٍ
منعمةٍ لها فرع وجيدُ
لهوتُ بها زماناً من شبابي
وزارتها النجائب والقصيدُ
أناس كلما أخلقت وصلاً
عناني منهم وصلٌ جديدُ

الحب في زمن العجائب

لا أريد أن أكون متشائماً، ولكن؛ باعتقادي أن الحب هذه الأيام حبٌ صبياني بسيط، وبنفس الوقت غير ناضج، وخبيث، يبدأ بسرعة وينتهي بسرعة كما بدأ.
قد يكون أحد الاسباب؛ إنهيار مفهوم الأسرة ضمنياً، والتي هي أساس تماسك المجتمع العربي، فالأسرة لا يمكن بناؤها إلّا بالحُب بين الزوجين، وتربية الأبناء تحت مظلته، لتنشأ لديهم القيم والمبادئ الأساسية لبناء أسرهم الخاصة في المستقبل.
فتجد طفل اليوم يعيش معظم وقته في الحضانة، أو في البيت وحيداً مع المربية، أو الخادمة، بعيداً عن أمه، وأبيه اللذان يعملان خارج المنزل لجلب المال، بازدواجيةٍ غير مبررة في الأدوار، تاركين دورَ الأمِّ للخادمة، أو المربية، أو الشارع، فالأمُّ من تربي، ليست من تَلِد.
وقد تكون المسلسلات، والأفلام الدرامية أحد الأسباب التي تزرع في عقول شبابنا أوهاماً وخيالات عن ماهيّة الحب ومفاهيم الزواج والأسرة.
ومن الأسباب ايضاً؛ جهل الآباء بمصلحة أبنائهم، وخصوصا الإناث، حيث يسود إعتقاد في مجتمعنا المحافظ، بأن الأب يملك كل الحق باختيار شريك الحياة لابنته، بعيداً عن رغباتها، وتطلعاتها، وكأنها شيء يملكه، ولا يعطيه إلّا لمن يريد.
ففي ايامنا إن وجد ذالك الحب العذري العميق بين شاب وفتاة، يتأرجح هذا الحب على حبلٍ رفيع، قد يُقطع بأيّةِ لحظة، عند الإقدام على الخِطبة، والزواج، لأسباب وضيعة – تعرفونها لا حاجة لسردها –
والنتيجة طبعاً أن تكثر العلاقات العابرة، التي تصل بالمتحابّينِ الى طريقٍ مسدود، اذا لم تتلاقى مصالح الأهل والمجتمع في هذا الزواج.

عندما تجتمع هذه الأسباب، وخصوصاً الأول منها، ينشأ جيل مشوهٌ عاطفياً، لا يملك شيئا من الحُبِ سوى كلمةٍ يرمي بها كل من صادفهُ من الجنس الآخر.

أختم مقالي هذا بحديثٍ عن المصطفى عليه السلام، حيث قال:
“لم يُرَ للمُتَحَابَّينِ مثلُ النِكاح”

المصادر:
موقع Wikipedia.com
موقع Raseef22.com
موقع Pulpit.com
موقع News.bbc

إعداد: يزن الأخرس
تدقيق: أمل أبو حرب