الرئيسية / الفيزياء / ذبذبة أجسام النيوترينو

ذبذبة أجسام النيوترينو

ذبذبة أجسام النيوترينو

قُدمت جائزة نوبل للفيزياء هذا العام لإنجاز اكتشاف القدرة الغريبة لجسيم النيوترينو على الانتقال (التذبذب) بثلاثة أشكال. في صدمة واحدة, قدم هذا الاكتشاف حلًا للمشكلة طويلة الأمد والمتعلقة بأساسيات معرفة هذه الأجسام صعبة التحري، بالإضافة إلى أنه أشار إلى قصورٍ في النظرية الفيزيائية المسماة بالنموذج المعياري “Standard Model”.

مفاتيح هذا الاكتشاف التي استحق على إثرها الفوز بجائزة نوبل منشورة في ثلاث ورقات بحثية موجودة في “Physical Review Letters”, في الأعوام (1998 – 2002). 

من الصعب جدًا تتبع جسيمات النيوترينو بسبب كتلتها الصغيرة، ولكونها بلا شحنة كهربائية، ولتفاعلها الضعيف مع باقي الجسيمات الأساسية. إلا أنها تشكل أكبر نسبة من جسيمات الكون بعد الفوتونات؛ بالإضافة إلى أهميتها في فهم طبيعة التفاعلات النووية المتعلقة بالاندماج النووي الذي يجري في النجوم ويضيئها، ودورها في المساعدة على فهم الاضمحلال الإشعاعي من نوع بيتا.

على الرغم من عدم الوضوح فيما إذا كانت هذه الجسيمات تمتلك كتلة أم لا منذ اكتشافها عام (1956)؛ إلا أن النموذج الفيزيائي المعياري -الذي يفسر جميع الجزئيات المعروفة حاليًا- يفترض أن هذه الأجسام لا تمتلك أي كتلة. كما يشير إلى أن لها ثلاثة أشكال هي: الإلكترون والميون والتاو نيوترينو. النيوترينو المنتج في النظام الشمسي تم اكتشافه في أواخر الستينيات. وخلال العقود الثلاث التالية, لوحظ أن هنالك اختلاف في القراءات المُقاسة مقارنة بالتي تم حسابها رياضياً حيث بلغت نسبتها (70%).

هذا الاختلاف تم توضيحه من خلال الحائزَين على جائزة نوبل: آرثر ماكدونالد (Arthur McDonald) من جامعة كوينز في كينغستون – كندا، وتاكاكي كاجيتي (Takaaki Kajita) من جامعة طوكيو. وينص الاكتشاف على أن الأشكال الثلاث التي ينتقل بها جسيم النيوترينو تتبدل فيما بينها خلال انتقال الجسيم في الفضاء. وبذلك, يمكن لجسيم النيوترينو من نوع الإلكترون أن يتبدل ليصبح ميون و تاو نيترينو خلال التنقل. لم تكن الكاشفات المستخدمة سابقًا قادرة على الإحساس بذلك؛ وكان قد تم عرض احتمال حدوث ذلك بداية عام 1957؛ لكن العمل على هذا الاكتشاف أكّد حقيقة هذه التذبذبات.

أدار العالم كاتيجا العمل في الكاشف “Super-Kamiokande” المتواجد في اليابان. يحتوي الكاشف على خزان يتسع لـ (50) ألف طن من المياه، مدفون تحت الأرض لحجبه عن الأشعة الكونية. يتتبع هذا الكاشف الإلكترونات والميونات التي تنبعث من الغلاف الجوي الأرضي -وليس من الشمس- حيث تنتج هذه الجسميات من تصادم الأشعة الكونية مع جزيئات الغلاف الجوي. وبشكل نادر جدًا, تتصادم هذه الجسميات مع جزيئات الماء في الكاشف، وينتج ومضات من الضوء.

جسيمات النيوترينو تتفاعل بشكل ضعيف مع المادة, وهذا سبّب عبورها للأرض دون أثر أو اضطراب, يكشف “Super-Kamiokande” هذه الجسيمات القادمة من كل الاتجاهات. اكتشف الباحثون عام (1998) أن جسيمات الميون التي تأتي من الأرض أكثر من تلك التي تأتي من الأعلى. عدم التماثل هذا يقترح أن جسيمات الميون الجوية القادمة من الأرض تتذبذب لشكل التاو غير القابل للكشف خلال انتقالها؛ على عكس الجسيمات القادمة من الأعلى التي عليها أن تعبر مسافة أقصر، وبالتالي لا تملك وقتًا كافيًا للتذبذب إلى شكل آخر.

التجربة التي قام بها «ماكدونالد» أثبتت هذا الاستنتاج عامي (2001 و2002)؛ حيث استخدم الكاشف “Sudbury Neutrino Observatory SNO” المتواجد داخل منجم في سادبيري – كندا, الذي يتسع لـ (1000) طن من الماء. في هذه الحالة, هناك نوعين من التصادم الذي يحدث بين جزيئات النيوترينو والهيدروجين الثقيل (ديتيريوم)؛ الأول يشمل فقط جسيمات الإلكترون, بينما الثاني يشمل الأشكال الثلاث.

يقول فرانك كلوز, فيزيائي الجزيئات في جامعة أكسفورد: «انحلال تيار جسيمات النيوترينو الشمسية كان الاستنتاج الأكبر, كانت هذه مشكلة معلقة لحوالي الـ (40) سنة.»

بالإضافة إلى تفسير ظاهرة الانحلال في جسيمات النيترينو الشمسية؛ تؤكد هذه الاكتشافات أن تلك الجسيمات ليست دون كتلة , لكن يجب أن تكون أشكال التذبذب الثلاث بكتل مختلفة عن بعضها حتى يثبت صحة هذا الاكتشاف. لم يُعرف بعد مقدار كتلة هذه الأشكال, لكن حتمًا لهم كتلة صغيرة جدًا, أقل بملايين الأضعاف من كتلة الإلكترون. وفي نفس الوقت, تعد هذه الجسيمات كثيرة جدًا لدرجةٍ تعادل تقريبًا كل المادة المضيئة في الكون. وبما أن النموذج المعياري المذكور بداية ينفي كون هذه الجسيمات لها كتلة, لابد من ظهور نظريات جديدة تفسر كتلة هذه الجسيمات. لذلك وجه كل من ماكدونالد وكاجيتا الأبحاث العلمية نحو اتجاه جديد مختلف. 

يقول كلوز أن هنالك أسئلة جدلية عديدة حول النيوترينو؛ مثل مدى ارتباط هذه الجسيمات بالمادة المعتمة الغامضة للكون، وتساؤلات حول عدم التماثل الحاصل بين المادة والمادة المضادة.

اعداد: Reem Khrais

تدقيق: شريف حوا

المصدر

شارك هذا الموضوع:

شاركها