الرئيسية / نظرية التطور / سلسلة شجرة عائلة البشر (4) | مجموعة الهومو (الجزء الثاني)

سلسلة شجرة عائلة البشر (4) | مجموعة الهومو (الجزء الثاني)

سلسلة شجرة عائلة البشر (4) | مجموعة الهومو (الجزء الثاني)

نستكمل في هذا المقال وسننهي ما بدأناه عن أسلاف البشر، وقد تناولنا مجموعة الآرديبيثكوس (هُنا)، ومجموعة الأسترالوبيثيكس (هُنا)، ومجموعة بارانثروبوس (هُنا)، وأول جزء من مجموعة الهومو (هُنا) وسنعرض في هذا المقال الجزء الثاني من مجموعة الهومو، وآخر أسلاف الإنسان الحديث.

1- هومو ناليدي- Homo naledi

reconstruction of Homo naledi by paleoartist John Gurche

عضوٌ جديدٌ محيرٌ تمت إضافتهُ لشجرةِ العائلةِ البشريةِ، اكتُشفت أحافيره لأولِ مرةٍ عام (2013) في جنوب أفريقيا بداخلِ كهفٍ عميقٍ تحتَ الأرضِ سُمّيَ كهف (النجم الصاعد) والذي يعتبرُ من أغنى المواقعِ الأحفوريةِ في أي وقت مضى وجدت في أفريقيا.

هذا النوعُ يحملُ خصائصًا كخصائصِ القردةِ كالعقلِ الصغيرِ، والكتفين والجذع مثل مثيلهما لدى القردة، ولكن أيضًا يمتلك بعض الميزات الخاصة بالإنسان، وعاشت أحافيرُ الهومو ناليدي المكتشفةُ حديثًا قبل (236 – 335) ألفَ سنةٍ مضت، أي أنها عاصرت الإنسان الحديث وأنواعًا بشريةً أخرى.

وُجدَت الأحافيرُ في غرفتينِ داخلَ الكهفِ، وجد في الغرفة الأولى (100) عينةٍ بينما أكثر من (1500) في الثانية، وكانت تحتوي إحدى الغرف على أحافيرَ تعودُ لشخصينِ بالغينِ وطفلٍ.

وحيثُ أنَّ الأحافيرَ لأشخاصٍ كُثُرٍ من هذا النوعِ؛ لذلك اعتقد الباحثونَ أنَّ هومو ناليدي كان لديه طقوسُ دفنِ الموتى وخاصةً أن الأحافيرَ موجودةٌ داخلَ كهفٍ بغرفةٍ عميقةٍ، يصعبُ جدًا الوصولُ إليها، فاستبعدوا أن يكونَ تجمعُ الموتى هذا بسببِ عواملَ طبيعيةٍ لصعوبةِ حدوثِ ذلك، لذلك رأوا أنها وُضِعَتْ بشكلٍ متعمدٍ من قِبَلِ أفرادِ نوعهم كطقسٍ لدفنِ الموتى.

ويُطالبُ بعض العلماء بمزيد من الأدلة قبل القولِ بأنّ ناليدي مارسَ طقسَ دفنِ الموتى لعدة أسبابٍ منها: أنه يمكن أن تكون هذه الجثثُ قد تمّ جمعها من قبل المفترسات.

 

2- هومو فلوريسينسيس- Homo floresiensis أو إنسان فلوريس أو (الهوبيت)

 

Homo floresiensis, female. Reconstruction based on LB-1 by John Gurche.

عاشَ هومو فلوريزينسيس الملقب بـ(الهوبيت) في آسيا (إندونيسيا) قبل حوالي (50-100) ألفِ سنةٍ مضت، ويُعتبر من أحدثِ اكتشافاتِ الأنواعِ البشريةِ في وقتٍ مبكرٍ، حيثُ اكتُشِفت أحافيرهُ عامَ (2003)، وتمَّ العثورُ على أحافيرهِ فقط في جزيرةِ فلوريس في أندونيسيا، وتتراوح أعمارُ أحافيرِ إنسانِ فلوريس ما بين حوالي (100-60) ألفِ سنة، ويتراوحُ قِدَمُ الأدواتِ الحجريةِ التي صنعها هذا النوعُ ما بينَ حوالي (190-50) ألفَ سنة.

وكان أفرادُ هذا النوعِ يمتلكون عقولًا صغيرةً، وأسنانًا كبيرةً مقارنةً بأحجام أجسادها الصغيرة، وكتفينِ متجهتينِ للأمامِ، وذقنٍ صغيرةٍ، وأقدامًا كبيرةً نسبيًا، وسيقانًا قصيرةً، وكان طولهُ بشكلٍ متوسطٍ (106) سم، بكتلة حوالي (30) كغم، وعلى الرغمِ من صغرِ حجمِ الجسمِ والدماغِ؛ فإن إنسانَ فلوريس استطاع أن يصنعَ الأدواتَ الحجريةَ ويستعملها، وقام بصيدِ الفيلةِ الصغيرةِ والقوارضَ الكبيرةَ، وتمَّ التعاملُ مع الحيواناتِ المفترسةِ مثل تنانينَ كومودو العملاقة، وربما استخدم هذا النوعُ النارَ.

وقد يكونُ صِغرُ حجمِ إنسانِ فلوريس نتيجةً لما يُعرفُ علميًا بـ(تقزُّم الجزيرة)، وتقزم الجزيرة هو عمليةٌ تطوريةٌ تحدثُ بسببِ العزلةِ على المدى الطويلِ على جزيرةٍ صغيرةٍ مع مواردَ غذائيةٍ محدودةٍ ونقصِ المفترساتِ، وحتى الفيلةُ كانت متقزمةً على فلوريس، وحدث لها نفس التكيف وهي منقرضةٌ الآن.

 

3- هومو نياندرتالنسيس- Homo neanderthalensis أو إنسان نياندرتال

Homo neanderthalensis, adult male. Reconstruction based on Shanidar 1 by John Gurche

عاش هومو نياندرتالنسيس أو إنسان نياندرتال -والذي بدأ اكتشافُ أحافيره عام (1829)- في أوروبا والجنوب الغربي من آسيا الوسطى قبل حوالي (400-40) ألفِ سنةٍ مضت.

إنسان نياندرتال هو أقربُ الأنواعِ البشريةِ المنقرضةِ، وكانَ يمتلكُ ملامحًا ضخمةً: كأنفٍ كبيرٍ لترطيبِ وتسخينِ الهواءِ الباردِ والجافِّ، وكانت أجسادهم أقصرَ ومملوءةٌ أكثر من أجسامنا، وكان متكيفًا للعيشِ في البيئاتِ الباردةِ، ولكن أدمغتهم كانت كبيرةً جدًا مثل أدمغتنا، وكثيرًا ما كانت أكبرَ حتى ومتناسبةً مع أجسامهم.

قام إنسان نياندرتال باستخدامِ مجموعةٍ متنوعةٍ منَ الأدواتِ المتطورةِ، وسيطرَ على النيرانِ، وعاش في الكهوف، وصنعَ وارتدى الملابسَ، وكان صيادًا ماهرًا للحيوانات الكبيرة، وأكلَ أيضًا أغذيةً نباتيةً، وصنع أشياءً رمزيةً كزينةٍ.

وهناك أدلةٌ على أن إنسان نياندرتال دفنَ موتاهُ عمدًا، وعلّم قبورهم أحيانًا بما في ذلك وضع الزهور، ولم يكن هناك أيُّ رئيسياتٍ أخرى، ولا أي نوع من البشرِ في وقتٍ سابقٍ قد مارسَ هذا السلوك المتطورَ والذي يحملُ رمزيةً معينةً.

وقد تم أخذُ عيناتٍ من حمضهِ النوويِّ من أكثرَ من (12) حفريةٍ، وجميعهم من أوروبا في مشروع الجينوم الخاص بالنياندرتال، وهو واحد من المجالاتِ الجديدةِ المثيرةِ للبحثِ عن أصولِ الإنسان، ويصلُ طول الذكور وسطيًا لـ(164) سم، بكتلة (65) كغم، أما الإناث فكانت بطول (155) سم، وبكتلة (54) كغم.

وكانت الأطعمةُ النباتيةُ التي كان يتغذى عليها النياندرتال تقل بشكلٍ ملحوظٍ خلالَ فصلِ الشتاءِ أثناءَ المناخاتِ الباردةِ، مما اضطر نياندرتال لاستغلال الخيارات الغذائية الأخرى مثل اللحومِ بشكلٍ أكثرَ كثافةً، وهناك أدلةُ على أن إنسان نياندرتال كانَ صيادًا موسميًّا متخصصًا، وكان يأكلُ الحيواناتِ في ذلك الوقتِ (كالرنة في الشتاء، والغزلان الحمر في الصيف).

ولدى العلماء أدلةً واضحةً على الصيدِ البدائيِّ عن طريق اكتشاف الرماحِ الخشبيةِ الحادةِ، وهناك أيضًا أدلةٌ من جبل طارقَ على أنهم عندما عاشوا في المناطق الساحليةِ، وبالتالي فإنهم استغلوا الموارد البحرية كأكل الدلافين والأسماك، والتحليل الكيميائي لعظام نياندرتال يشيرُ إلى أنهم كانوا يأكلون كمياتٍ كبيرةً من اللحومِ، بالإضافة لأدلة على أنهم أكلوا النباتات أيضًا.

وتشيرُ كلٌّ من الأدلةِ الأحفوريةِ والجينيةِ إلى أن الإنسانَ البدائيَّ والبشرَ الحديث (الإنسان العاقل) قد تطور من سلفٍ مشتركٌ عاشَ قبل حوالي (500) ألفِ عامٍ، أي أننا لم نتطور من النياندرتال بل نحن أبناءُ عمومةٍ. وينتمي البشرُ البدائيون، والبشر الحديثون إلى نفس الجنس (هومو)، وقد سكنوا في نفس المناطق الجغرافية في آسيا لمدة تتراوح بين (50-30) ألفَ سنةٍ، وتشيرُ الأدلةُ الجينيةُ إلى أن النياندرتال تزاوجَ مع الإنسانِ الحديثِ.

وبعد خروج الإنسان الحديث من أفريقيا وانتقاله لاحقًا لأوروبا حيث كان يعيش النياندرتال؛ تضائلت أعدادُ النياندرتال إلى نقطة الانقراض، واختفت كلُّ آثار إنسان نياندرتال قبل حوالي (40) ألفَ سنةٍ مضت.

 

4- هومو سابينز- Homo sapiens (الإنسان العاقل)

Homo sapiens, You Are Here

تطوّر الإنسانُ العاقلُ في أفريقيا قبل حوالي (200) ألفِ سنةٍ وحتى الآن، فكلُّ إنسانٍ يعيشُ على هذا الكوكب اليوم ينتمي إلى الإنسان العاقل، فخلال فترة تغيرٍ جذريٍّ في المناخِ منذ (200) ألفِ سنةٍ؛ تطورَ الإنسان العاقل في أفريقيا وامتلكَ سلوكياتٍ متقدمة ساعدته على الاستجابة لتحديات البقاء على قيد الحياة في بيئاتٍ غيرِ مستقرة.

يتميّزُ الإنسانُ الحديثُ تشريحيًا ببناءٍ أخفَّ من هيكلهِ العظميِّ مقارنةً مع أسلافهِ في وقتٍ سابقٍ، ولدى البشر الحديثين أدمغةً كبيرةً جدًا تتفاوت في الحجم من أفرادٍ إلى أفرادٍ آخرينَ، وبين الذكور والإناث، ولكنّ متوسط ​​حجمها حوالي (1300) سنتيمترٍ مكعبٍ، وينتمي تموضُعُ هذا الدماغِ الكبيرِ على إعادةِ تنظيمٍ للجمجمةِ، فنحن نحملُ جمجمةً رقيقةً ذاتُ قبةٍ مقببةٍ وجبهةٍ مسطحةٍ وفكٍّ صغيرٍ مع أسنانٍ صغيرةٍ.

وكانَ جميعُ البشر في وقت مبكرٍ وأيضًا الحديثين على حدٍ سواءٍ ولملايين السنينَ يمضون جزءً كبيرًا من يومهم يجمعون النباتاتِ ويصيدون، وكان البشر الحديثون قبل (164) ألفَ سنةٍ يجمعون ويطبخون المحار، ثم قبلَ (90) ألفَ سنة؛ بدأوا بصنعِ أدواتِ صيدٍ خاصة، وثم قبل (12) ألفَ سنةٍ ماضيةٍ فقط؛ انتقل الإنسان العاقل إلى الزراعةِ، وإنتاج الأغذية.

وعاشَ الإنسانُ في أفريقيا لآلافِ السنين قبلَ أن يهاجرَ عدةَ هجراتٍ لخارجها، وكانت الهجرة الرئيسية للإنسان الحديث والتي استعمر من خلالها كاملَ الكوكب قبل حوالي (60) ألفَ سنة، وتؤكد الحفرياتُ والحمضُ النوويُّ أن البشرَ هو نوع ينتمي إلى الرئيسيات، ويشكلُ البشر نوعًا من أنواع القردة العليا.

ولم يتطور الإنسان الحديث من أيٍّ من القرود التي تعيش اليوم، ولكننا نشاطر خصائصًا مع الشمبانزي، والغوريلا، وإنسان الغاب (الأورانغوتان)، فضلًا عن القردةِ الأخرى، ونحن على الأرجحِ تطورنا من هومو هايدلبرجنسيس (إنسان هايدلبيرغ)، الجدُّ المشتركُ الذي نشاركه مع إنسانِ نياندرتال، والذين هم أقربُ أقربائنا المنقرضين.

هذا وتمَّ اكتشافُ أحافيرَ في جبلِ إرهود في المغرب هذه السنة (2017)، وهي عبارةٌ عن عظامٍ ليست مثلَ عظامنا تمامًا، تلكَ العظامُ كانت بدائيةً جدًا، فأشار الباحثون إلى أنه يمكن أن يكون البشرُ الذين عاشوا في جبل إرهود نوعًا قديمًا عاش في شمال أفريقيا حتى تم استبدالهم بجنسنا شرق أفريقيا، حيث وضع معظم العلماء أصولَ جنسنا وفقًا لاثنين من أقدم أحافير الإنسان (سابينز) والتي يعود تاريخها لـ(196) ألفَ سنةٍ، وجماجمَ عمرها (160) ألفَ سنة في إثيوبيا.

وهذه المكتشفاتُ الحديثةُ يمكنُ أن تمثلَ النسخةَ الأكثرَ بدائيةً من نوعنا، وهم ليسوا مثيلينَ لنا تشريحيًا، فالجمجمة ممدودةٌ أكثر من جماجمِ الإنسان الحديث، والأسنانُ أكبرُ، والجبهةُ ليست واسعةً مثل جباهنا، وجماجمهم أكبر، ولذلك تم وصفهم بأنهم بدائيون جدًا حيث كانوا (يتطلعون) ليصبحوا هومو سابينز، ولذلك يرفض البعض اعتبارهم من نوعنا وخاصةً في ظل غيابِ عيناتِ الحمضِ النوويِّ الخاصة بهم.

جمجمة الهومو سابينز المبكر التي وجدت في المغرب (يسار) مقارنةً بجمجمة الإنسان الحديث (يمين).

إعداد: ابراهيم عون
تدقيق: حمزة مطالقة
مصادر: هُنا هُنا هُنا هُنا هُنا