الرئيسية / نظرية التطور / سلسلة شجرة عائلة البشر (4) | مجموعة الهومو (الجزء الأول)

سلسلة شجرة عائلة البشر (4) | مجموعة الهومو (الجزء الأول)

سلسلة شجرة عائلة البشر (4) | مجموعة الهومو (الجزء الأول)

 

نستكمل في هذا المقال ما بدأناه عن أسلاف البشر الذين عاشوا في وقت مبكر جدًا، وقد تناولنا مجموعة الآرديبيثكوس (هُنا)، ومجموعة الأسترالوبيثيكس (هُنا)، ومجموعة بارانثروبوس (هُنا)، وسنتناول في هذا الجزء من السلسلة مجموعة الهومو والتي سنقسمها لجزأين.

1- هومو هابيليس- Homo habilis (الإنسان الماهر) 

Homo habilis face illustration, front view

عاش هومو هابيليس شرقَ وجنوبَ أفريقيا قبل (2.4-1.4) مليون سنة مضت، واكتُشفت أحافيرهُ عام (1960). ويُعدُّ هذا النوع من أقدم أعضاء جنس الهومو (الإنسان)، الوجهُ والأسنانُ أصغر مما كانت عليه في أسترالوبيثكس وأنواع أشباه البشر الأخرى، ولكن هومو هابيليس (الإنسان الماهر) كان يحتفظ أيضًا ببعض صفات وميزات القردة كالأيدي الطويلة، وكان متوسط طوله (100-135) سم، وبمتوسط كتلة (32) كغم.

وكان لدى هومو هابيليس الذي عاش في وقت مبكر أسنانًا أصغرَ من أوسترالوبيثكس، ولكنّ ميناء الأسنان كانت سميكة فقد امتلك فكًا قويًا، مما يشير إلى أن أسنانه تكيفت لمضغ بعض الأطعمة الصلبة (ربما فقط موسميًا عندما أصبحت الأطعمة المفضلة لديهم متوفرة بشكل أقل).

وتشيرُ دراساتُ الأسنانِ إلى أن نظامهُ الغذائيّ كانَ مرنًا ومتنوعًا، وأنه كان قادرًا على تناولِ مجموعةٍ واسعةٍ من الأطعمة، بما في ذلك بعض الأطعمة مثل الأوراق والنباتات الخشبية، وبعض الأنسجة الحيوانية، لكنه لم يكن يستهلك الأطعمة الصلبة مثل المكسرات واللحوم المجففة بشكلٍ منتظمٍ أو متخصصٍ.

وهناك خطٌ آخرٌ من الأدلةِ التي تشير إلى اتباعه لنظامٍ غذائيٍّ يأتي من بعض أقدم قطعِ العظامِ وُجدت قبلَ (2.6) مليون سنة مضت، ويعتبرُ العلماء ذلك دليلًا مباشرًا على أكلهِ للحومِ والنخاعِ، وكثيرٌ من العلماءِ يعتقدون أن أنواعَ الهومو التي عاشت في وقتٍ مبكرٍ، بما فيهم هومو هابيليس، واستخداموا الأدواتِ الحجريةِ الأولى بسببِ وجودِ تلكَ الأدواتِ في السجلّ الأحفوريّ يعودُ قِدمها إلى حوالي (2.6) مليون سنة مضت، ومع ذلك؛ فإن هذه الفرضية يصعب اختبارها لأن العديدَ من الأنواعِ الأخرى من البشرِ الذين عاشوا في وقت مبكر عاشوا مع بعضهم في نفس الوقت، وفي نفس المنطقة الجغرافية.

 

 

2- هومو رودولفنسيس- Homo rudolfensis (إنسان بحيرة رودولف)

Homo rudolfensis face illustration, front view

عاش هومو رودولفنسيس أو إنسان بحيرة رودولف شرق أفريقيا (شمال كينيا، وربما شمال تنزانيا وملاوي) قبل حوالي (1.9- 1.8) مليون سنة مضت، واكتشفت أحافيره سنة (1986).

وهناك أحفورةٌ واحدة جيدة حقًا لإنسان بحيرة رودولف وُجدت في حوض بحيرة توركانا-كينيا، ولها ميزة واحدة حاسمة وهي حجم جمجمة أكبر من جمجمة هومو هابيليس (الإنسان الماهر).

هذا وكان لإنسان بحيرة رودولف أضراسًا كبيرةً مقارنةً مع هومو هابيليس، في حين أن أسنانهم كانت أصغرَ قليلًا من تلك التي شوهدت في أنواع أسترالوبيثكس، وهذه الاختلافات التشريحية تشيرُ على الأرجح إلى وجباتٍ غذائيةٍ مختلفةٍ بين إنسان بحيرة رودولف وأنواع أوسترالوبيثكس السابقة له، حيث امتلك الأسترالوبيثيكس مضغًا أكثر قوةً.

واستخدم إنسان بحيرة رودولف مثل غيره من أنواع الهومو في وقتٍ مبكرٍ الأدواتَ الحجريةَ، ومع ذلك، ولأن أكثر من نوعٍ واحدٍ من البشر عاشوا في وقت واحدٍ معًا؛ فإنه من الصعب على العلماء التيقن أي من الأنواع هي المسؤولة عن صنع واستخدام الأدوات الحجرية الأولى.

ولا توجد حاليًا أدواتٌ حجريةٌ وجدت في نفس الطبقة التي وجدت فيها أحافير إنسان بحيرة رودولف، ولكن هنالك أدواتٌ حجرية موجودة في نفس الفترة الزمنية التي عاش فيها هذا الإنسان.

ومن المؤكد اليوم أن إنسان بحيرة رودولف، وهومو هابيليس (الإنسان الماهر)، وهومو إريكتوس (الإنسان المنتصب)، وبارانثروبوس بويزي، قد عاشوا جميعًا مع بعضهم في حوضِ توركانا شمال كينيا ما بين (1.5-2) مليون سنة مضت.

 

3- هومو إريكتوس- Homo erectus

Homo erectus, female. Reconstruction based on ER 3733 by John Gurche

عاش هومو إريكتوس (الإنسان المنتصب) شمال وشرق وجنوب أفريقيا، وغرب آسيا (دمانيسي، جمهورية جورجيا)، وشرق آسيا (الصين وإندونيسيا) قبل حوالي (1.89) مليون إلى (143) ألفَ سنةٍ مضت، واكتشفت أولى أحافيرهُ عام (1891).

وتسمى حفرياته المنتشرة في أفريقيا بوقت مبكر أحيانًا بهومو إرغاستر، ولدى الإريكتوس خصائصَ إنسانية حديثة مثل: هيكلية الجسم مع ساقين ممدودتين نسبيًا، وأيدٍ أقصرَ بالمقارنةِ معَ حجمِ الجِذع، وتُعتبَر هذه الميزاتُ تكيفاتٍ مع الحياة على اليابسة، مما يدل على فقدانه لتكيفاتِ تسلقِ الأشجارِ في وقتٍ سابقٍ، مع القدرةِ على المشي وربما لمسافاتٍ طويلةٍ.

الشخصُ الأحفوريُّ الأكثرُ اكتمالًا من هذا النوع يُعرف باسم (صبي تركانا) وهو عبارةٌ عن هيكلٍ عظميٍّ محفوظٌ جيدًا، وقد عاشَ قبلَ حوالي (1.6) مليون سنة. وهناك أدلةٌ أحفوريةٌ على أن الإنسانَ المنتصبَ كان يهتمُّ بالأشخاصِ الكبارِ في السنِّ والضعفاءِ، والأدلةُ كثيرةٌ كونه كان يستخدم تكنولوجيا صناعةِ الأدواتِ الحجريةِ.

إنَّ السجلَّ الأحفوريَّ غنيٌّ بهذا النوعِ، فهناك اكتشافاتٌ أحفوريةٌ بدأت من عام (1890)، وفي الصين (رجل بكين) ابتداءً من عام (1920). ويعتبر هومو إريكتوس أو الإنسان المنتصب أنه النوع الأول الذي هاجر خارج إفريقيا، ويعتبر نوعًا متغيرًا للغايةِ، ومنتشرًا في قارتين (ليس من المؤكد ما إذا كان قد وصل إلى أوروبا)، وكان متوسط طوله (145 – 185) سم، بكتلة تتراوحُ من (40 – 68) كغم.

وبعد فترةٍ وجيزةٍ من رؤية أحافير الإنسان المنتصبِ في السجلِّ الأحفوريِّ والتي يعود زمانها قبل حوالي (1.9) مليون سنة؛ نرى أدلةً في السجل الأثري لأول ابتكارٍ في تكنولوجيا الأدواتِ الحجريةِ قبل حوالي (1.76) مليون سنة، وتتألف من أدواتٍ وقطعٍ كبيرةٍ مثلَ السواطيرِ، وبالتأكيد إن زيادة الاعتماد على مجموعةٍ أوسعَ من الأدواتِ قد ساعدت الإنسان المنتصب على البقاء على قيد الحياة خلال تغير المناخ.

الإنسان المنتصب هو أول من روّض النارَ واستخدمها، وأقربُ الأدلةِ على المداخن (نيران المخيم) كانت خلال المدى الزمني في الوقت الذي عاش فيه الإنسان المنتصب، في حين أن لدينا أدلةً على أن المواقدَ كانت تستخدمُ للطهي (وربما لتقاسم) الغذاء، فمن المرجح أنها كانت أماكنَ للتفاعلِ الاجتماعي، وتُستخدمُ أيضًا للدفء والحمايةِ من الحيواناتِ المفترسةِ الكبيرةِ.

وكانت الأجسامُ الطويلةُ، والأدمغةُ الكبيرةُ لأفرادِ الإنسانِ المنتصبِ تتطلبُ الكثيرَ من الطاقةِ، وتناولَ هذا النوعُ اللحومَ وغيرها من أنواع البروتين، وهناك أيضًا تكهناتٌ بأنَّ العسلَ والدرناتِ تحتَ الأرضِ قد تكونُ مصادرَ غذائية كبيرة للإنسان المنتصب.

ويُميِّز بعضُ العلماءِ بين الحفرياتِ الأفريقيةِ لهذا النوعِ ويطلقُ عليهِ (هومو إرغاستر)، وبين الحفرياتِ الآسيويةِ له والتي يطلق عليها (إريكتوس)، في حين أن البعضَ الآخرَ يُطلق عليهما معًا هومو إريكتوس (الإنسان المنتصب)، وفي كلتا الحالتين؛ هناك اتفاقٌ عامٌ على أنهُ انحدرَ من نوعٍ سابقٍ من هومو (على سبيل المثال، هومو هابليس)، ويمثلُ واحدةً من أوسعِ الأنواعِ من البشر في وقتٍ مبكرٍ في تاريخنا التطوري.

ومن المرجح أن مجموعاتٍ متميزةٍ من الإنسان المنتصب أدّت إلى ظهورِ أنواعٍ في وقتٍ لاحقٍ مثل هومو هايدلبرجنسيس، وفي نهايةِ المطافِ أدّت إلى الأنواعِ الخاصةِ بنا (الإنسان العاقل).

وتعايش هومو أريكتوس في بدايةِ وقتهِ قبل حوالي (1.9) مليون سنة مضت في شرق أفريقيا مع العديدِ من الأنواعِ البشريةِ بما في ذلك إنسان بحيرة رودولف والإنسان الماهر، وبارانثروبوس بويزي، وكانت هذه الأنواع أحيانًا توجد في نفس المواقع الأحفورية. وفي نهاية نطاقها الزمنيِّ، قبل حوالي (143) ألفَ سنة، تعايش الإنسان المنتصب (هومو أريكتوس) مع الإنسان العاقل وربما أيضًا مع هومو فلورينس في أندونيسيا.

 

4- هومو هايدلبيرجنسيس- Homo heidelbergensis (إنسان هايدلبيرغ)

Homo heidelbergensis, male. Reconstruction based on Kabwe by John Gurche

عاش هومو هايدلبيرجنسيس في أوروبا، وربما آسيا (الصين)، وأفريقيا الشرقية والجنوبية قبل حوالي (700-200) ألفَ سنةٍ مضتْ.

وكان لهذا النوعِ البشريِّ المبكرِ وجهٌ وذقنٌ أكبر حجمًا من الأنواعِ البشريةِ القديمةِ، وقد عاشَ أولُ نوعٍ من البشرٍ في وقت مبكرٍ في مناخاتٍ أكثر برودة، ومن المرجح أن تكون هيئاتها القصيرةُ للتكيفِ مع الحفاظِ على الحرارةِ، وكان مسيطرًا على النارِ وَصُنعِ واستخدمِ الرماحِ الخشبيةِ، وكان أولُ نوعٍ من البشر في وقتٍ مبكرٍ يعتمدُ على اصطياد الحيواناتِ الكبيرةِ، وكان أول نوع يبني الملاجئ، وصَنعَ مساكنَ بسيطةٍ من الخشبِ والصخورِ.

وهناك أدلةٌ على أنَّ إنسان هايدلبرغ كان قادرًا على السيطرةِ على النارِ، وقد بنى المداخنَ أو المواقدَ في وقتٍ مبكرٍ قبلَ (790) ألفَ سنةٍ، وربما استغلَّ إنسانُ هايدلبرغ الملاجئ الطبيعيةَ، ولكن هذا النوع كان أيضًا أولَ من بنى مساكنَ بسيطةً، والأدلةُ تأتي من موقع (تيرا أماتا) في فرنسا.

وتمَّ العثورُ على بقايا حيواناتٍ مثل الغزلانِ البريةِ، والخيولِ، والفيلةِ، وأفراسَ النهر، ووحيدَ القرنِ مع علاماتِ جزارةٍ على عظامهم، وفي المواقع التي وُجدت فيها الحفرياتُ الخاصةُ بإنسانِ هايدلبيرغ؛ أدلةٌ على ذلك تأتي أيضًا من الرماحِ الخشبيةِ القديمةِ عمرها (400) ألفَ سنةٍ وُجدت في موقع شكونينغن في ألمانيا، والتي تم العثورُ عليها جنبًا إلى جنبٍ مع الأدواتِ الحجريةِ وبقايا أكثرَ من (10) خيولٍ مذبوحةٍ.

ويوجدُ موقعٌ واحدٌ في شمال إسبانيا فيه دليلٌ يرجعُ تاريخهُ إلى حوالي (400) ألفِ سنةٍ مضت، يُظهرُ ما قد يكونُ طقوسًا لإنسانِ هايدلبيرغ، وقد وجد العلماءُ عظامَ ما يقرب لـ(30) فردًا لإنسان هايدلبيرغ وُضِعت عمدًا داخلَ حفرةٍ.

وتشيرُ المقارنة بين الحمض النووي DNA لإنسانِ نياندرتال، والإنسانِ الحديثِ إلى أن لدينا سلفٌ مشتركٌ وعلى الأرجحِ كان هذا السلف هو إنسان هايدلبرغ، وانفصالنا عن النياندرتال حدث في وقتٍ ما قبل (350-400) ألفَ سنةٍ، فالفرعُ الأوروبيُّ لإنسانِ هايدلبيرغ تطورَ عنهُ إنسان نياندرتال، وإنسان هايدلبيرغ الذي عاش في أفريقيا (الذي يسمى أحيانا إنسان روديسيا) تطور عنهُ الهومو سابينز (الإنسان الحديث).

إعداد: ابراهيم عون
تدقيق: حمزة مطالقة
مصادر: هُنا هُنا هُنا هُنا